محمد هادي معرفة

503

التمهيد في علوم القرآن

النهاية في الكمال في جميع أوصافه ونعوته ، الذي هو مقتضي الألوهية والربوبية المطلقة . لأنّك إذا حقّقت معنى الألوهية فقد حقّقت معنى التقدّم على كل شيء والمسيطر على كل شيء ، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » . لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » . إذا فلو ذهبت تفترض الاثنينية في هذا المجال ، وفرضت اثنين يشتركان في هذه الصفات التي هي غايات لجميع الأوصاف والنعوت ، فقد نقضت وتناقضت في افتراضك ذلك أنّك فرضت من كل منهما تقدّما وتأخّرا في نفس الوقت وأنّ كلّا منهما منشئا ومنشأ . ومستعل ومستعلى عليه ، إذ النقطة النهائية من الكمال لا تحتمل اثنين ، لأنّ النقطة الواحدة لا تنحلّ إلى نقطتين ، وإلّا فقد احلّت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد في الطرفين ، إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقا ولا مستعليا فأنّى يكون كل منهما إلها ، وللإله المثل الأعلى ! ؟ ويرجع تقرير الاستدلال إلى البيان التالي : إنّ الإله هو ما استجمع فيه صفات الكمال وبلغ النهاية في الكمال . ومثل هذا الوصف ( مجمع الكمال ) لا يقبل تعدّدا لا خارجا ولا وهما إذا فلا تعدّد في الإله ، وليس له فردان متماثلان . وهذا من أروع الاستدلال على نفي المثيل . وكلمة ( المثل ) هذه تكون إشارة إلى ما حواه المثيل من صفات وسمات خاصّة تجعله أهلا لهذا النعت ( إيجابا أو سلبا ) في القضية المحكوم بها . مثلا لو قيل - خطابا لشخصية بارزة - : ( أنت لا تبخل ) كان ذلك دعوى بلا برهان . أمّا لو قيل له : ( مثلك لا يبخل ) فقد قرنت الدعوى بحجّتها ، إذ تلك

--> ( 1 ) الأنعام : 14 وقد جاءت في خمس سور أخرى . ( 2 ) الزمر : 63 .